المدرهة ذاكرة الحجيج المعلقة بين الأرض والسماء
اليمنيون والحج.. كيف صنعت المدرهة طقوس الوداع والعودة؟

راديوالريف/عارف الشماع
في الذاكرة الشعبية اليمنية، لم يكن الحج مجرد رحلة دينية عابرة، بل حدثًا اجتماعيًا وإنسانيًا كبيرًا، تتشابك فيه مشاعر الفرح بالخوف، والرجاء بالفراق، والدعاء بالانتظار.
ومن رحم هذه المشاعر ولدت “المدرهة”، الأرجوحة الشعبية التي ارتبطت بالحجيج في اليمن، وتحولت عبر الزمن إلى أحد أهم الطقوس التراثية المصاحبة لمواسم الحج.
كانت المدرهة تُنصب في القرى والحارات اليمنية مع اقتراب سفر الحجاج، لتصبح رمزًا جماعياً للشوق والترقب، ومكانًا تتردد فيه الأهازيج والمهاجل والابتهالات التي تعبر عن مشاعر الأهالي تجاه الحاج الغائب.
ورغم تراجع حضورها اليوم، ما تزال المدرهة حاضرة في ذاكرة كبار السن وفي القرى الريفية ومنها محافظة المحويت، بوصفها جزءًا من الهوية الثقافية والاجتماعية لليمنيين.
المدرهة.. طقس ارتبط بالحجيج
المدرهة، أو الأرجوحة الشعبية، هي بناء خشبي كبير يُقام في مواسم الحج، ويُصنع غالبًا من أعمدة أشجار الطلح أو الطنب أو الأثل، وتُربط بحبال قوية تعرف محلياً باسم “حبال السلب”.
وكان الأهالي ينصبونها في فناء منزل الحاج أو في ساحات القرى والحارات، لتتحول إلى مركز اجتماعي يجتمع حوله الرجال والنساء والأطفال، يتناوبون التأرجح عليها وترديد الأهازيج الشعبية.
وترتبط المدرهة بالحجيج ارتباطًا وثيقًا، لأن رحلة الحج قديمًا كانت طويلة وشاقة ومحفوفة بالمخاطر، وقد تستغرق عدة أشهر، ما جعل سفر الحاج حدثًا مشبعًا بالخوف والرجاء.
وكان الحاج قبل سفره يودع أهله وجيرانه، ويطلب المسامحة، وأحيانًا يكتب وصيته، بسبب صعوبة الطريق واحتمالات الغياب الطويل أو عدم العودة.
حكاية المدرهة
وكانت المدرهة تُزيَّن بما يرمز إلى صاحب رحلة الحج، في محاولة لإبقاء حضوره حاضرًا في وجدان الأسرة والمجتمع طوال فترة غيابه.
فإذا كان الحاج رجلًا، تُعلق على المدرهة عمامته أو شاله وجنبيته، بوصفها رموزًا لهيبته ومكانته الاجتماعية، فيما تُزيَّن الأعمدة بالريحان والورود.
أما إذا كانت الحاجة امرأة، فتُوضع على المدرهة “الزَّنة” وهي من الملابس الخاصة بالنساء، إضافة إلى بعض المشاقر ، في مشهد يعكس طبيعة المجتمع اليمني وحرصه على إضفاء البعد الرمزي والوجداني على طقوس الحج.
وكانت هذه الرموز تجعل المدرهة أقرب إلى صورة تمثيلية لصاحب الرحلة، فتتحول إلى مساحة تحمل حضوره المعنوي وسط أهله وجيرانه، وتُبقي ذكراه حاضرة حتى لحظة عودته.
أهازيج المدرهة.. صوت الحنين والدعاء
لم تكن المدرهة مجرد أرجوحة، بل مساحة للغناء الشعبي والإنشاد الجماعي، حيث تتردد التغاريد التي تحمل الدعاء للحاج والشوق إليه.
ومن أشهر ما كان يُردد عند صعود المدرهة:
“المدرهة.. يا المدرهة من ركّبش عشية
من ركّبش على القمر والشمعة المضية”
وكانت الأهازيج تبدأ غالبًا بالابتهالات الدينية والصلاة على النبي:
“ابدأ بقولي في الإله الواحد المنّاني
واثني بقولي في النبي الهاشمي العدناني
واثلث بقولي في علي ذي حطم الأوثاني”
ثم تتصاعد نبرة الغناء مع حركة المدرهة:
“وقد طلعت المدرهة ذي صوتها أشجاني
وصوتها شجى الجبال ورعد الودياني”
وفي بعض التغاريد تتحول المدرهة نفسها إلى طرف في الحوار الشعبي:
“يا مدرهة يا مدرهة مال صوتش واهي
قالت أنا واهية وما حد كساني
كسوتي رطلين حديد والخشب رُماني”
ويظهر في هذه الكلمات الطابع الرمزي للمدرهة، وكأنها كائن حي يشعر بالحزن والشوق لغياب الحاج.
حمام مكة.. رسول الحنين
ومن الصور الشعرية اللافتة في تغاريد المدرهة مخاطبة “حمام مكة” بوصفه رسولًا يحمل السلام للحاج.
ومن تلك التغاريد:
“ويا حمامة عرفة حومي وحومي
واطلعي رأس الجبل واحذرش تنومي
ألا واعرفي لي حجنا لاهو طويل خضراني
واعرفي لي وزرته هي كلها بيضاني
واعرفي لي عصيته هي شوحط أورماني”
وتكشف هذه الكلمات عن عمق الحنين والخوف الذي كان يرافق غياب الحجاج، حيث تحاول الأهازيج وصف الحاج حتى تتعرف عليه الحمامة وتوصل له سلام أهله.
المهاجل.. الإنشاد الجماعي للحج
إلى جانب تغاريد المدرهة، حضرت “المهاجل” كواحدة من أهم أشكال الموروث الشعبي المرتبط بالحج في اليمن.
والمهاجل نوع من الأناشيد الجماعية التي تُؤدى دون استخدام آلات موسيقية، وتعتمد على المد الطويل للكلمات، حيث يبدأ شخص بإنشاد الأهزوجة، ثم تردد المجموعة خلفه الكلمات نفسها.
وترتبط المهاجل بمواسم متعددة مثل الزراعة والبناء والاستمطار والحج.
وفي مواسم الحج، كان الأهالي يرددون:
“مسافرين يا ليتني معاكم
لزادكم وإلا لشرب ماكم
مسافرين الله يعين سفركم
والله يعين الجمل الذي يحملكم”
كما كانت بعض المهاجل تحمل البشارة بعودة الحجاج:
“يا مبشر بالحجيج بشارتك بشارة
بشارتك صفا اليمن وتلحقه شرارة”
وتحمل هذه الأهازيج صورًا شعبية بسيطة لكنها غنية بالمشاعر الصادقة.
المعاني الروحية للمدرهة
ومن المغارد الشعبية التي تُردد أثناء التأرجح على المدرهة، تلك الأهازيج التي تحمل طابعًا دينيًا ممزوجًا بالفرح والدعاء للحاج، حيث يردد المنشدون والمتدرهون كلمات تعبّر عن التهنئة للحاج بفوزه بأداء الفريضة، وما تحمله الرحلة من معانٍ روحية عظيمة، ومن أشهر تلك المغارد:
“يا مبشر بالحج بشارتك بشارة
هنيت لك يا حاجنا فزت بالغفراني
زرت قبر المصطفى وتلمّست الأركاني
والصلاة والسلام على الرسول
يا من سمع يصلي على النبي العدناني”
وتعكس هذه الأهزوجة البعد الديني العميق المرتبط بطقوس المدرهة، إذ تبدأ بالبشارة والتهنئة للحاج، ثم تنتقل إلى وصف زيارته للديار المقدسة ولمقام النبي محمد صلى الله عليه وسلم، قبل أن تختتم بالصلاة والسلام عليه، في مشهد يجمع بين الإنشاد الشعبي والروحانية الدينية.
وكانت هذه المغارد تُؤدى بصوت جماعي متناغم، تتخلله نبرات الشوق والابتهال، فيما تتمايل المدرهة ذهابًا وإيابًا وسط تجمع الأهالي والأطفال والنساء، فيتحول المكان إلى مساحة وجدانية عامرة بالدعاء والترقب والأمل بعودة الحاج سالمًا.
القهوة والحجاج.. طقوس الضيافة الشعبية
ولم تخلُ التغاريد الشعبية من الحديث عن خدمة الحجاج والاحتفاء بهم، حيث تظهر القهوة بوصفها رمزًا للكرم والضيافة.
ومن تلك التغاريد:
“يا مقهوي في منى
قم قهوي الحجاج
قم الحجاج أجمعين
قاصي وداني
ولقم الدله عسل
وبخر الصياني”
ثم تستمر الأهزوجة في وصف فرحة الحجاج بعيدهم في مكة:
“هنيت للحجاج أجمعين
حين عيدهم بمكة
حين عيدهم وسط الحرم
وشاربين من زمزم”
الموروث الشفهي المهدد بالاندثار
تحتفظ ذاكرة كبار السن في اليمن حتى اليوم بجزء كبير من هذه الأهازيج والتغاريد، التي انتقلت شفهيًا عبر الأجيال دون تدوين.
لكن هذا الموروث الشعبي يواجه خطر الاندثار مع رحيل كبار السن، وتراجع حضور الطقوس المرتبطة بالحج، واختفاء كثير من المناسبات التي كانت تُردد فيها هذه الأهازيج.
كما أسهمت وسائل النقل الحديثة في اختصار رحلة الحج وتحويلها من رحلة شاقة تستغرق أشهرًا إلى سفر سريع وآمن، ما أدى إلى تراجع مشاعر الخوف والانتظار التي ولّدت هذه الطقوس الشعبية.
ولهذا أصبحت كثير من التغاريد مجرد مقاطع متناثرة محفوظة لدى عدد محدود من كبار السن والمنشدين الشعبيين.
محاولات التوثيق والحفاظ على التراث
ومع تزايد المخاوف من ضياع هذا الإرث الشعبي، ظهرت بعض المبادرات الثقافية الهادفة إلى توثيق طقوس المدرهة وأهازيج الحجيج.
ومن أبرز تلك الجهود مهرجان “المدرهة” الذي نظمه “بيت الموروث الشعبي” في صنعاء، حيث جرى جمع عدد من كبار السن والمنشدين الذين ما يزالون يحفظون أجزاء من هذا الموروث الشفهي.
كما عملت بعض الدراسات والكتب القليلة على تسجيل النصوص الشعبية المرتبطة بالحج، بهدف حفظها للأجيال القادمة.
ويرى مهتمون بالتراث أن توثيق المدرهة لا يعني الحفاظ على أغنيات قديمة فحسب، بل حماية جزء مهم من الذاكرة الاجتماعية اليمنية.
رمزية المدرهة في الوجدان اليمني
لا تمثل المدرهة مجرد أرجوحة خشبية أو طقس احتفالي موسمي، بل تحمل رمزية عميقة في الوجدان الشعبي اليمني.
فحركتها ذهابًا وإيابًا كانت تعكس رحلة الحاج نفسه؛ سفرًا وعودة، غيابًا ولقاء، خوفًا وأملًا.
وكان المجتمع بأكمله يعيش هذه الرحلة وجدانيًا مع الحاج، عبر الغناء والدعاء والانتظار.
ولهذا بقيت المدرهة رمزًا للشوق الجماعي، وصورة من صور التضامن الاجتماعي الذي ميز المجتمع اليمني قديمًا.
رغم اختفاء كثير من طقوس المدرهة اليوم، ما تزال أهازيجها حاضرة في ذاكرة اليمنيين، تحمل أصوات الأمهات والآباء والنساء والأطفال وهم يودعون الحجيج أو ينتظرون عودتهم.
وبين حركة الأرجوحة وصدى التغاريد، بقيت المدرهة شاهدًا حيًا على قدرة اليمنيين على تحويل مشاعر الخوف والحنين والرجاء إلى فن شعبي وإنساني متوارث عبر الأجيال.
إنها ليست مجرد أرجوحة، بل ذاكرة كاملة معلقة بين الأرض والسماء، تحفظ حكاية الحج في الوجدان اليمني القديم.



